يرى الدكتور تشاندرا مظفر أن وقف إطلاق النار في غزة لا يمثل نهاية حقيقية للعنف، بل يعمل كستار خادع يسمح باستمرار التطهير العرقي بحق الفلسطينيين. بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار الذي بادرت به إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 5 فبراير 2026، شنّ الجيش الإسرائيلي غارات جوية متعددة على شرق مدينة غزة، وأسفرت عن مقتل 16 فلسطينيًا، بينهم أفراد من عائلة واحدة هي عائلة حبوش.

 

يشير ميدل إيست مونيتور إلى أن هذا النمط لم يبدأ مع المرحلة الثانية وحدها، إذ شهدت المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، التي بدأت في 10 أكتوبر 2025، مقتل 556 فلسطينيًا وإصابة نحو 1500 آخرين خلال أربعة أشهر فقط، غالبيتهم من النساء والأطفال، ما يطرح تساؤلات جدية حول حقيقة مفهوم «التهدئة» المعلن.


وقف إطلاق النار وسجل القتل المستمر


يؤكد الكاتب أن المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار لم تمنع استمرار الاستهداف الممنهج للفلسطينيين. استهدف القصف الإسرائيلي أطباء وصيادلة، وهاجم سيارات إسعاف، في ممارسة باتت معروفة لدى الجيش الإسرائيلي، رغم وصف بعض المعلقين الإسرائيليين والغربيين له بأنه «أكثر جيوش العالم أخلاقية».


يذكّر مظفر بأن العامين السابقين لإعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر شهدا اشتباكات متواصلة بين إسرائيل وحماس وفصائل مقاومة فلسطينية أخرى. تكبّدت المقاومة الفلسطينية، التي تفتقر إلى جيش نظامي أو سلاح جوي، خسائر بشرية هائلة، إذ تشير التقديرات إلى مقتل نحو 71,851 من عناصر المقاومة، إلى جانب سقوط قتلى إسرائيليين.


تزعم الاستخبارات الإسرائيلية أن قواتها ردّت على هجوم مفاجئ نفذته حماس ضد عائلات إسرائيلية قرب الحدود الفلسطينية–الإسرائيلية. لكن بعد مرور ما يقرب من ثلاث سنوات، ما زالت الصورة الكاملة لأحداث 7 أكتوبر 2023 غامضة. يلفت الكاتب الانتباه إلى وقائع توحي بأن السلطات الإسرائيلية ربما سمحت، أو على الأقل غضّت الطرف، عن تحرك حماس وفصائل أخرى، بهدف استخدام الهجوم ذريعة لتبرير حملة انتقامية واسعة النطاق.


أسئلة حول 7 أكتوبر واستمرار التطهير


يتساءل مظفر عمّا إذا كان هجوم 7 أكتوبر جزءًا من أجندة أوسع للتطهير العرقي، بل ويطرح احتمال وجود عناصر من «العمليات الزائفة» داخل تلك الأحداث. لهذا السبب، دعا منذ البداية إلى إجراء تحقيق دولي مستقل يكشف حقيقة ما جرى.


بعيدًا عن القتل المباشر، يوضح الكاتب أن مظاهر أخرى للتطهير العرقي لا تزال مستمرة دون توقف. يقلّ تدفق الغذاء والمياه والأدوية عن المستويات المتفق عليها في خطة وقف إطلاق النار. تسمح السلطات الإسرائيلية لعدد ضئيل للغاية من الفلسطينيين بمغادرة القطاع لتلقي علاج طبي عاجل. يستمر تشريد أعداد كبيرة من العائلات، ويعيش قطاع واسع من السكان دون مأوى مناسب، رغم اقتراب فصل الشتاء.


يلاحظ الكاتب أن هذه المعاناة نادرًا ما تحظى بتغطية إعلامية كافية، سواء في الإعلام الغربي أو غير الغربي. يتصرف الإعلام، كما لو أن مجرد إعلان وقف إطلاق النار يكفي لتهميش الأخبار المتعلقة بالألم الحقيقي الذي يعيشه الفلسطينيون يوميًا.


الإفلات من العقاب وتصدّع القناع


يخلص مظفر إلى أن وقف إطلاق النار يخدم مصالح النخب الحاكمة في تل أبيب وواشنطن، التي تسعى إلى إخفاء حقيقة ما يتعرض له الفلسطينيون. يرفض صانعو القرار في إسرائيل والولايات المتحدة، بحسب الكاتب، مبدأ المساءلة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، ما خلق حالة شبه فريدة من الإفلات من العقاب في التاريخ المعاصر.


يشرح الكاتب أن هذا الإفلات تشكّل عبر عقود، بدعم من القوة الأمريكية بمختلف أشكالها، والمصالح التجارية العالمية، والإعلام الغربي، ومؤسسات التعليم، إضافة إلى استغلال مأساة الهولوكوست النازية، والترويج لخطابات دينية تمنح اليهود مكانة استثنائية. لكن هذا الدرع الذي حمى الانتهاكات الإسرائيلية طويلًا بدأ يتشقق.


يرى مظفر أن المجازر الواسعة في غزة، ولا سيما قتل الأطفال، لعبت دورًا محوريًا في كشف زيف هذا الإفلات. المفارقة أن الحصانة نفسها التي استخدمت درعًا لسنوات، تحولت الآن إلى سلاح يفضح جوهر السياسات الإسرائيلية ويخترق قلب التمويه الذي حاول وقف إطلاق النار ترسيخه.


بهذا المعنى، لا يشكّل وقف إطلاق النار نهاية للمأساة، بل يمثل غطاءً مؤقتًا لاستمرار سياسات القتل والتجويع والتشريد، في وقت تتزايد فيه الأصوات التي تتحدى هذا الواقع وتطالب بكشف الحقيقة كاملة.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260211-the-gaza-ceasefire-a-cunning-camouflage/